أبو الصلاح الحلبي
115
تقريب المعارف
ويجب كونه تعالى مزيحا لعلة المكلف بالتمكين والاستصلاح والبيان ، لأن تكليفه من دون ذلك قبيح على ما بينته . وأما الوجه في ابتداء الخلق وتكليف العقلاء منهم ، فالخلق جنسان : حيوان ، وجماد . فالغرض في إيجاد الحي منه لينفع المكلف بالتفضل والثواب ، ويجوز العوض ، ويجوز أن يكون في خلقه لطف غيره . وغير المكلف فالتفضل والعوض ، ويجوز أن يكون في خلقه ( 1 ) لطف للمكلف . وغير الحي الغرض في خلقه نفع الحي . وقلنا : إن الغرض في تكليف العاقل التعريض للثواب . لأنه سبحانه لما خلقه وأكمل عقله وجعله ذا طباع يقبل ( 2 ) إلى القبيح وينفر عن الواجب ، ولم يغنه بالحسن عن القبح ، ولم يجز أن يكون ذلك لغير غرض لكونه عبثا ، ولا لغرض هو الانتفاع به أو دفع الضرر لاستحالتهما عليه تعالى ، ولا للإضرار به لكونه ظلما ، ولا لدفع الضرر عنه لكونه قادرا على ذلك من دون التكليف فيصير عبثا . علمنا أن الغرض هو التعريض للنفع . وقلنا : إن التعريض للنفع حسن . لعلمنا - وكل عاقل - بحسن تكلف ( 3 ) المشاق في أنفسنا ، وتعريض غيرنا لها تعريضا للنفع ، واستحقاق المدح من عرض غيره لنفع ، كاستحقاقه على إيصاله إليه .
--> ( 1 ) أي : في خلق غير المكلف . ( 2 ) في النسخة : " قبل " . ( 3 ) في النسخة : " يحسن تكليف " .